بينما كنت أعمل في مستشفى جامعة الملك عبد العزيز قبل حوالي عامين، جائنا شاب من مكة المكرمة، وحيدا. لا أدري لماذا أحسست أنه كان مكاويا أصيلا، ليس فقط بسبب سكنه هناك، و إنما بسبب ما ظننت فيه من شهامة و صبر ظهرا عليه. منذ رأيته في أول يوم و حتى النهاية، كان يبدو لي أيضا، عن بعد، في تمام الصحة. عرفت أنه كان عازبا، يعيش مع والده و إخوته الكثيرين في منزل بسيط.
لا أتذكر التفاصيل التي سبقت ظهوره في قسم تنويم الرجال. هل حوله أحد المستشفيات من مكة؟ هل جاء هو بنفسه إلى طوارئ مستشفانا؟ لا أعلم حقيقة . من ماذا كان يشكو في البداية؟ ما الذي جعله يزور طبيبا في الأصل؟ لن أعرف أبدا، و لكن هذا ليس مهما. لم أكن أحد أطبائه المباشرين في كل الأحوال
المهم أنه ظهر عندنا، و أجريت له بعض الفحوصات التي أظهرت أنه كان مصابا بسرطان الدم النقوي الحاد
Acute Myeloid Leukemia
لم يكن يوما سعيدا عندما عرفنا أنه كان مصابا بهذا المرض
لسرطانات الدم أنواع كثيرة جدا. ابتلاه الله فقد أصيب بأحد الأنواع ذات المآل السيء جدا إن لم تعالج. بالنسبة لما يعرفه الطب عن هذا النوع، و إن لم تحصل معجزات، فالوفاة مؤكدة خلال أسابيع إذا لم يتلق المريض العلاج الكيميائي. و للأسف فإن العلاج الكيميائي في هذه الحالة قوي جدا و ذو آثار جانبية خطيرة
أخبرت الطبيبة الاستشارية الشاب عن مرضه. و طلبت موافقته للبدء في العلاج، فطلب أن يتحدث مع والده أولا. أمر طبيعي. لكن غير المعتاد هو نتيجة ذلك الحديث. طلب الأب من إبنه مغادرة المستشفى و عدم تلقي العلاج. لم يوضح أي بدائل. لم يظهر لنا أنه يريد أن يأخذه إلى مستشفا آخر. طلب منه المغادرة فحسب.
تلت هذا الحوار حوارات كثيرة :بين الطبيبة و المريض و والده. رفض المريض تلقي العلاج إلا برضا والده. و ظهر أن والده يريد منه أن يعود إلى البيت ليساعده في العمل لإعالة الأبناء الكثيرين. لم يكن يبدو مريضا للناظر. لم يكن مثل بقية المرضى طريح الفراش، لكن هذا لا يمنع أن خلايا السرطان كانت تنهش في نخاع عظامه. لكن هذا الوالد لم يرها
بعد عدة أيام طلب الشاب أن يعود إلى مكة ليفكر. أتذكر أنني رأيته يرتب ملابسه في الحقيبة الصغيرة. لم يكن أحد يستطيع إجباره على البقاء. أخبرنا بأنه سيعود، لكنه لم يعد أبدا و لم أسمع عنه شيئابعد ذلك
ليرحمه الله أينما كان
————————————
قبل هذا الحادث، لم أكن أعترف أن أي شخص يمكنه رفض العلاج. عندما كان المرضى يفكرون على مسمع مني إن كانوا يريدون العلاج أم لا، كان مضمون تعليقي دائما هو أن الجسد أمانة لدينا، لا خيار أمامنا سوى المحافظة عليها
كنت أعتقد أن العلاج واجب ديني
————————————
في عام 2005 حضرت مؤتمرا رائعا: المؤتمر الإسلامي العالمي لأخلاقيات الممارسة الطبية. عرفت هناك أن الراجح في الأقوال الفقهية هم أن طلب العلاج مباح و جائز، و للإنسان أن يختار بين التداوي و تركه، رغم أن هناك حالات يصبح فيها العلاج واجبا، منها إن كان المرض معديا و يخشى تفشيه بين الناس إن لم يعالج، (فلا ضرر و لا ضرار)، أو إن كان المرض يسبب الهلكة غالبا، و إن كان مانعا عن العمل. في حالتنا هذه كان الأغلب أن هذا المريض سيتوفى إن لم يتلق العلاج و لكن العلاج قد يكون مضرا أيضا
إذا من حق الإنسان أن يختار، طالما كان عاقلا و عالما بنتائج اختياراته
و هنا فتوى للدكتور محمد سليمان الأشقر عن حكم التداوي
———————————–
في أخلاقيات الطب الحديث الغربية، تجد على رأس حقوق المريض ما يسمى
autonomy
و يعني حق المريض في اتخاذ القرار، و الإيمان بأن المريض العاقل الواعي و المتبصر هو من يجب أن يتخذ أي قرار بصحته و علاجه. و هذا يعني أنه يجب أن يكون المريض ملما بشكل كاف بوضعه المرضي و بالاختيارات المتاحة له، ثم يترك له الخيار فلا يجبر على شيء
هنا صفحة جامعة كاليفورنيا الخاصة بمبادئ الأخلاقيات الطبية
قريبا سأكتب عن مصادر للاستزادة حول موضوع الأخلاقيات الطبية فهو مهم جدا أينما كنا