فضيحة الدم الملوث

تناول الكثير من الكتاب فضيحة نقل دم ملوث بفيروس الايدز (HIV) في جازان بالنقد و التحليل. أحببت هنا أن أنقل لكم تجربة دولة أخرى في التعامل مع فضيحة من نوع مماثل و لكن على نطاق أكبر. لنبدأ القصة من بدايتها.

منذ عام 1939 م ، و لأكثر من 50 عاما، كان المصدر الرئيسي للدم المستخدم في المستشفيات في كندا هو منظمة الصليب الأحمر الكندية (Canadian Red Cross). إضافة إلى مهامها الإسعافية و الإغاثية، تولت هذه المنظمة طلب التبرع بالدم من الشعب الكندي، فحص الدم المتبرع به و تصنيعه، و من ثم توزيعه على المستشفيات المختلفة. كان لهذه المنظمة فروع كثيرة بطبيعة الحال، لتغطي مساحة كندا الشاسعة.

خلال الثمانينات الميلادية، تعرف العالم على فيروسين جديدين يمكن أن يتسببا في أمراض مزمنة و خطيرة، و كلاهما يمكن انتقالهما بين البشر عن طريق الدم. هذان الفيروسان هما فيروس الايدز (HIV) و فيروس التهاب الكبد الوبائي ج (HCV). تمكن العلماء من تطوير تحاليل و اختبارات للكشف عن فيروس الايدز (HIV) في 1985 م و أخرى للكشف عن فيروس التهاب الكبد الوبائي ج (HCV) في عام 1990 م.

عندما تمكن الأطباء من اختبار المرضى للكشف عن هذين الفيروسين كانت الفاجعة. اتضح أن أكثر من 1100 شخص أصيبوا بفيروس الايدز HIV في كندا نتيجة لاستلامهم لدم (أو مشتقات دم) لم يتم فحصه، بينما أصيب أكثر من 20000 شخص بفيروس التهاب الكبد الوبائي ج (HCV) لنفس السبب.

ضج الجميع -حكومة و شعبا- عندما تبين حجم الواقعة. كلفت الحكومة رجل القانون هوراس كريفر (Justice Horace Krever) بالتحقيق في الأمر. امتد التحقيق لمدة 4 سنوات و كلف أكثر من 17 مليون دولار. في النهاية صدر التقرير النهائي للتحقيق- والمكون من 1200 صفحة-  في عام 1997.

ظهر للمحقق أن منظمة الصليب الأحمر الكندية ارتكبت عددا من الأخطاء التي أدت لزيادة عدد المصابين بشكل كبير. لم يكن بالإمكان تلافي جميع الإصابات في ذلك الوقت في ظل غياب اختبارات جازمة للفيروسين لفترة طويلة و لكن كانت هناك اختبارات أخرى استخدمت في دول أخرى لم يتم الاستفادة منها في فحص المتبرعين بدعوى كونها مبدئية (مثل انزيمات الكبد لرصد تأثره بفيروس HCV) . كانت الكثير من القرارات التي اتخذتها المنظمة مبنية على أساسات مادية بحتة، وفي بعض الأحيان تم شراء دم من جهات غير موثوق بها، و لم يتم استبدال بعض مشتقات الدم بأخرى أكثر سلامة منها بشكل سريع، رغم توفرها في دول أخرى.

نتيجة للتوصيات الناتجة عن هذا التحقيق انتهى دور منظمة الصليب الأحمر الكندية في هذا المجال و أنشأت مؤسستان كنديتان مستقلتان كليا لاستقبال المتبرعين بالدم و فحصهم وتزويد المستشفيات بالدم المطلوب، هما Canadian Blood Services  و Hema-Quebec. أوصى المحقق أيضا باعتبار سلامة المرضى فوق كل شيئ (و بشكل خاص فوق كل الاعتبارات المادية و البيروقراطية) إضافة إلى عدد من التوصيات الأخرى.

في الوقت الحالي و بعد تغييرات كثيرة أصبح الدم الذي يتم توفيره للمرضى في كندا في غاية الأمان نظرا للقوانين الصارمة في قبول المتبرعين، استخدام أفضل الاختبارات المتوفرة للكشف عن الجراثيم و الفيروسات إضافة إلى أنظمة الجودة الشاملة الفعالة.  و رغم أن الكثير من المرضى المحتاجين للدم في بلادنا هذه الأيام مصابون بالذعر نتيجة لما يسمعون من أخبار فإنه يسعدني أن أقول أن بعض بنوك الدم في المملكة تماثل في سلامة الدم المفحوص بها نظيراتها في دول العالم الأول.

أتمنى أن لا تصاب رهام الحكمي بفيروس الايدز جراء الدم الذي نقل لها و في نفس الوقت أرجو أن تكون هذه الحادثة سببا في إفاقة الجهات المنظمة لعمل المؤسسات الصحية في بلادنا لعمل تغييرات جذرية لمنع حدوث حوادث مشابهة في المستقبل. لا نريد أن ننتظر حتى يتأذى الآلاف بسبب تدخل طبي يرجى منه النفع. ربما نحتاج إلى مؤسسة صحية مستقلة لاستقبال المتبرعين و توزيع الدم بعد فحصه على المراكز المستفيدة. المؤكد هو حاجتنا الشديدة لتطبيق أنظمة الجودة الشاملة في كل ما يتعلق بالممارسات الصحية لئلا نترك المجال للأخطاء البشرية التي قد تسبب أضرارا جسيمة.

لمزيد من المعلومات:

تقرير قناة CBC

Canadian Blood Services

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s